الجاحظ

40

الحيوان

وإذا أصاب الحية خدش فإنّ الذرّ يطالبه أشدّ الطلب ، فلا يكاد ينجو ، ولا يعرف ذلك إلا في الفرط . وإذا عضّ الإنسان الكلب الكلب فإنّ الفأر يطالبه ليبول عليه ، وفيه هلكته ، فهو يحتال له بكلّ حيلة . وربما أغدّ البعير فلا يعرف ذلك الجمّال حتى يرى الذّبّان يطالبه . وإذا وضعت الذّئبة جروها فإنه يكون حينئذ ملتزق الأعضاء أمعط كأنه قطعة لحم ، وتعلم الذّئبة أنّ الذرّ يطالبه ، فلا تزال رافعة له بيديها ، ومحوّلة له من مكان إلى مكان ، حتى تفرج الأعضاء ، ويشتدّ اللحم . وإذا وضعت الهرّة جروها فإن طرحوا لها لحما من ساعتها أو روبة « 1 » أو بعض ما يشبه ذلك فأكلته ، لم تكد تأكل أجراءها ، لأنّ الهرة يعتريها عند ذلك جوع وجنون وخفّة . والأجناس التي تحدث لها قوّة على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذّئب الضعيف الواثب على الذّئب القويّ إذا رأى عليه دما ، والهرّة إذا سفدها الهرّ ، فإنها عند ذلك تشدّ عليه وهي واثقة باستخذائه لها ، وفضل قوّتها عليه ، والجرذ إذا خصي فإنّه يأكل الجرذان أكلا ذريعا ولا يقوم له شيء منها « 2 » . فأمّا الفيل والكركدن والجمل ، عند الاغتلام وطلب الضّراب ، فإنها وإن تركت الشّرب والأكل الأيّام الكثيرة فإنّه لا يقوم لشيء منها شيء من ذلك الجنس وإن كان قويّا شابا آكلا شاربا . وأمّا الغيران والغضبان والسّكران والمعاين للحرب ، فهم يختلفون في ذلك على علل قد ذكرناها في القول في فضيلة الملك على الإنسان . والإنسان على الجانّ . فإن أردته فالتمسه هناك . فإنّ إعادة الأحاديث الطوال والكلام الكثير مما يهجر في السّماع ، ويهجّن الكتب .

--> ( 1 ) الروبة : القطعة من اللحم . ( 2 ) ربيع الأبرار 5 / 471 .